جيرار جهامي ، سميح دغيم
803
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
ماركس كل القيم ، عرّف ( يادانوف ) الثقافة - في تقريره المشهور الذي قدّمه منذ عشر سنوات لمؤتمر الحزب الشيوعي في موسكو - على أنها ذات علاقة وظيفية بالجماعة ، فالثقافة عنده هي : فلسفة المجتمع . ونزيد هنا أن هذين التعريفين يعتبران من الوجهة التربوية مشتملين على « فكرة عامة » عن الثقافة . دون تحديد لمضمونها القابل لأن يدخله التعليم في سلوك الفرد وأسلوب الحياة في المجتمع . . . وفي ضوء هذا الربط تصبح الثقافة نظرية في السلوك ، أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة ، وبهذا يمكن أن يقاس الفرق الضروري بين الثقافة والعلم . ( ابن نبي ، شروط النهضة ، 123 ، 15 ) . - الثقافة تتعرّف بصورة عملية على أنها : مجموعة من الصفات الخلقية ، والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه ، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكّل فيه الفرد طباعه وشخصيته . وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدّد مفهومها ، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معيّنة ، والذي يتحرّك في نطاقه الإنسان المتحضّر . وهكذا نرى أن هذا التعريف يضمّ بين دفتيه فلسفة الإنسان ، وفلسفة الجماعة ، أي ( معطيات ) الإنسان ( ومعطيات ) المجتمع ، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد ، تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية ، عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات . ولكن لا سبيل لعودة الثقافة إلى وظيفتها الحضارية إلّا بعد تنظيف الموضوع من الحشو أو الانحراف الذي أحدثه فيه عدم فهمنا لمفهوم « ثقافة » . ( ابن نبي ، شروط النهضة ، 125 ، 15 ) . - كل ثقافة يجب أن تتولّى الدفاع عن تراثها وذلك بأن تضع أولا بين الجسم الاجتماعي والفرد ذلك التبادر الذي يقوّم الأخطاء من حيثما تأتّت ومهما يكن مصدرها . إلّا أن هذه المبادلة لا يمكن أن تمارس إلّا إذا تمّ ربط الفرد بالجسم الاجتماعي ؛ بالصورة التي تلتحم بها مادة البناء بكامل البناية ، وذلك لكي نستعمل مرة أخرى صورة مقتبسة عن الرسول . ودور الثقافة إنما يتمثّل على وجه الدقّة في خلق هذه اللّحمة الاجتماعية أولا وبالذات . وبخصوص هذه الوظيفة يبدو أن الثقافات قد تباينت فيما بينها بحيث آلت إلى نموذجين ، متطابقين مع رسالتين اثنتين : فقد أسّست الشعوب السامية ثقافتها على احترام القاعدة المتّبعة ، أي على القيم الأخلاقية ؛ أما الشعوب الآرية ، فقد أقامت حضارتها على القيم الجمالية ، وعلى الصورة أو الشكل التي بلغت اكتمالها بأثينا ، حيث قامت هذه الأخيرة بدورها بنقل شعيرتها هذه إلى عهد النهضة بأوروبا . ( ابن نبي ، القضايا الكبرى ، 85 ، 9 ) . - الثقافة هي التعبير الحسّي عن علاقة الفرد بهذا العالم أي بالمجال الروحي ( Noosphere ) الذي ينمّي فيه وجوده النفسي ، فهي نتيجة هذا الاتصال بذلك المناخ . فالفرد إذا ما فقد صلته بالمجال الحيوي قرّرنا أنه مات موتا ماديّا ، وكذلك الأمر إذا فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه